حين ينحدر الإعلام: سقوطٌ أخلاقيّ وقِيَميّ ومِهَنيّ على الهواء
الإعلامية مريم بيضون
المصدر: فيسبوك
ما جرى في برنامج «صار الوقت» عبر شاشة MTV, حين تناول الإعلامي مارسيل غانم النائب بولا يعقوبيان، وهي غير موجودة في الاستديو، وتوجَّه بِحَقِّها بعبارات وأوصاف مُهينة ونابية، يتجاوز حدود الخلاف الشخصي والسياسي والإعلامي.
فالخلاف حقّ، والنقد حقّ، والمُساءلة حقّ، لكن تحويل الشاشة إلى مِنْبَر للإهانة الشخصية ليس صحافة ولا جرأة ولا شجاعة إعلامية، بل انحدار مهني وأخلاقي وقِيَمي.
من حقّ أي إعلامي أن ينتقد مواقف النائب بولا يعقوبيان وأداءها السياسي، كما من حقّه أن ينتقد أي نائب أو وزير أو مسؤول في الشأن العام، وأن يطرح الأسئلة الصعبة ويواجه السياسيين بالوقائع والوثائق. لكن هذا الحق يبقى محكومًا بأصول المهنة واحترام الكرامة الإنسانية. أمَّا الإنتقال من نقد الموقف إلى تجريح الشخص، واستخدام أوصاف مُهينة بِحَقِّها، ومنها ما نُقِل من عبارات مثل «النفايات» و«الرخيصة» و«المُنحطَّة»، فلا يمكن تقديمه بأي معيار مهني على أنه نقد أو مواجهة إعلامية، بل هو إساءة إلى المهنة قبل أن يكون إساءة إلى الشخص المُستهدَف.
وتزداد خطورة الأمر عندما يكون المُستهدَف غائِبًا عن الاستديو ولا يملك فرصة الردّ في اللحظة نفسها. فالإعلامي لا يتحدث في مساحة خاصة، بل أمام جمهور واسع، والكلمة التي تُقال على الهواء لا تنتهي بانتهاء الحلقة، بل تنتشر وتتداولها المِنصَّات ويصل أثرها إلى ملايين الناس.
ومارسيل غانم إعلامي مُخضرَم وصاحب خبرة طويلة في إدارة البرامج السياسية، ولذلك يُفترض أن يكون أكثر إدراكًا للحدود الفاصِلة بين النقد والتجريح، وبين المواجهة والإهانة، وبين الجرأة والانفلات في الخطاب. لذلك لا يمكن اختزال ما صدر عنه في مُجرَّد انفعال أو لحظة غضب، أو ردَّة فعل، فالخبرة المهنية تفرض قدرًا أعلى من المسؤولية، خصوصًا عندما يكون الكلام صادرًا عن صاحب مِنبَر إعلامي مُؤثِّر.
الشتيمة ليست حِجَّة، والتحقير ليس مهنية، والصراخ ليس شجاعة، وإذلال الآخر ليس انتصارًا إعلاميًا
ولا يمكن، في المقابل، تجاهل مسؤولية من كانوا داخل الاستديو. فالمشهد لم يكن يستدعي الصمت، بل كان يستوجب التوقُّف عنده والمُساءلة: وزيرة البيئة تمارا الزين، والآخرون؟ كيف أمكن أن تمر إهانة إنسان ونائب في البرلمان على الهواء وسط الابتسام والصَّمت والتَّصفيق، وكأنَّ ما يجري مُجرَّد مشهد عابِر؟
لا يتعلَّق الأمر بالدفاع عن النائب بولا يعقوبيان أو تأييد مواقفها، ولا بمنع أحد من الاختلاف معها. كان المطلوب موقفًا أخلاقيًا بديهيًّا: «نختلف معها، لكننا لا نقبل إهانتها».
كان يكفي اعتراض واحد ليضع حدًّا لهذا الانزلاق، لأنَّ الخلاف، مهما اشتدّ، لا يُبرِّر التجريح. أمَّا الصمت والابتسام والتصفيق أمام الإهانة، فلا يمكن اختزالها في الحياد، ولا سيما عندما يكون بين الحاضرين مسؤولون في الدولة يُفترض أن يكونوا أكثر حساسية تجاه كرامة الإنسان وأكثر حِرصًا على مستوى الخطاب العام واحترام المؤسسات الدستورية.
والأشد إيلاماً أن يتحوَّل الجمهور نفسه إلى جزء من المشهد بالتصفيق للإهانة. فحين يصبح تحقير الإنسان مدعاة للتسلية والتصفيق، لا تعود المسألة إعلامية فحسب، بل تكشف أزمة أعمق في الثقافة والتربية والقِيَم. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى ثقافة الاحترام، وإلى تنشئة أجيال تُدرِك أنَّ الاختلاف لا يعني الكراهية وتبرير الشتيمة، وأن قُوَّة الموقف لا تُقاس بِحِدَّة المواجهة، وأنَّ كرامة الإنسان لا تسقط لمجرد اختلافنا معه.
فالإعلام لا يصنع الجمهور فقط، بل يتأثر به أيضًا، وما نُصفِّق له اليوم قد يتحول غدًا إلى لغة يتعلَّمها الأجيال اللاحقة. ومن هنا تبدأ مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع في بناء جيل يعرف كيف يختلف من دون أن يُهين، وكيف ينتقد من دون أن يحُطّ من قدر الآخر، وكيف يرفض الخطأ من دون أن يفقد إنسانيته.
ويبقى السؤال مشروعًا: أين موقف وزارة الإعلام والجهات المعنية عندما يتحوَّل الخطاب الإعلامي إلى مساحة للإهانة الشخصية وتتراجع المعايير المهنية والأخلاقية؟
حرية الإعلام حق أساسي، والنقد السياسي ضرورة، لكن الحرية لا تعني أن تصبح كرامة الإنسان مُباحة، ولا أن يتحول الميكروفون والشاشات إلى رخصة لإذلال الناس.
إذا كانت هناك قوانين وأُطُر مهنية وأخلاقية تُنظِّم العمل الإعلامي، فيجب أن تُطبَّق على الجميع، من دون استنسابية، فلا إعلام يخضع للسُّلطة، ولا إعلام يضع نفسه فوق المُساءلة.
المشكلة لا تتوقف عند هذه الحلقة أو عند شخص مارسيل غانم وحده. الأخطر هو تحوُّل الصراخ إلى محتوى، والشتيمة إلى مادة للتداول، والمواجهة الشخصية إلى وسيلة لجذب المشاهدات، حتى يصبح «الترند» أهم من أخلاقيات المهنة.
وهنا تكمن مسؤولية الإعلام الحقيقية: أن يرفع مستوى النقاش، لا أن يستورد أسوأ ما في الشارع ويُقدِّمه للجمهور على أنه جرأة، وأن يبني الوعي، لا أن يجعل الإهانة مادة للمُشاهدة.
وفي هذه الواقعة تحديدًا، تبقى المسؤولية الأولى على مارسيل غانم، لأنه صاحب المنبر والكلمة، ولأنه اختار أن يتناول شخصًا بلغة تتجاوز النقد إلى الإهانة. وتمتد المسؤولية الأخلاقية إلى كل من حضر وصمت أو ابتسم أو صفّق، وإلى كل من يساهم، بقبوله ، في جعل هذا النوع من الخطاب أمرًا عاديًّا.
الإعلام القوي هو الذي تنتصر فيه الحِجَّة على الشتيمة، والوقائع على الصراخ، والمهنية على الاستعراض.
أما عندما تصبح إهانة الإنسان وسيلة لصناعة المشاهدات، فهذه ليست جرأة إعلامية، بل سقوط في أخلاق المهنة، وانحدار في القيم، وتحقير للكرامة الإنسانية قبل أن تكون إهانة لشخص بعينه.