التاريخ يشهد

التاريخ يشهد

بتاريخ السادس عشر من أيلول ١٩٨٢ أعلن القائدان، الشهيد جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني ومحسن ابراهيم أمين عام منظمة العمل الشيوعي ومن منزل الشهيد المعلّم كمال جنبلاط في بيروت في بيان مشترك عن ولادة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمّول” ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي.
دعيا “إلى حمل السلاح تنظيما للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحرير الأرض من رجسه من أقصى الوطن الى أقصاه”. وفي اليوم نفسه كانت قوات العدو الصهيوني قد استكملت احتلال بيروت بعد حصار دام ٨٩ يوماً.
استجاب الشيوعيون وسائر الوطنيين اللبنانيين لهذا النداء، فكانت العملية الأولى في ليل ٢٠-٢١ أيلول قرب صيدلية بسترس في محلة الصنائع، نفذها ثلاثة مناضلين شيوعيين وأسفرت عن سقوط ثمانية جنود للإحتلال بين قتيل وجريح. و قد وجّه الشهيد جورج حاوي آنذاك للمقاومين الثلاثة الأوائل الذين نفذوا العملية رسالة جاء فيها: “أنه لشرف عظيم لكم أن تكونوا أنتم من أطلق إسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”.
وبدأت العمليات البطولية تتصاعد وتكثر وتكبر ككرة الثلج في مختلف أحياء بيروت، ما اضطر قوات العدو للإنسحاب من بيروت بعد عشرة أيام تحت ضربات أبطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمّول” وكان ذلك يوم السادس والعشرين من أيلول ١٩٨٢ وهم يطلقون الصّيحات عبر مكبرات الصوت “يا أهل بيروت لا تطلقوا الرصاص نحن منسحبون”.
وتتالت وتوالت عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في مختلف المناطق اللبنانية المحتلة إلى أن فرضت على قوات الإحتلال الإنسحاب من منطقة الجبل حتى ضفاف نهر الأولي في بداية خريف ١٩٨٣. وفي نيسان من العام ١٩٨٥ اضطرت قوات الإحتلال إلى الإنسحاب من صيدا وجوارها ومن أقضية ومناطق الزهراني وصور والنبطية ومن مئات القرى والبلدات في الجنوب شمالي الليطاني والبقاع الغربي وراشيا لينحصر تواجدها فيما عرف لاحقاً بإسم الشريط الحدودي الذي انسحبت منه في ٢٤-٢٥ أيار العام ٢٠٠٠، حيث كُرّس يوم ٢٥ أيار يوماً للتحرير.
وما تجدر الإشارة إليه هو أنه ما بين أيلول ١٩٨٢ ونيسان ١٩٨٥ انسحبت قوات الإحتلال من مساحة ٢٦٠٠ كلم٢ من أصل ٣٤٥٠ كلم٢ وهي مجمل المساحة التي إحتلها العدو الإسرائيلي في إجتياحه للبنان عام ١٩٨٢. وحسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها سلطات الإحتلال فإن خسائر جيشها نتيجة عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية قد بلغت بين ١٦ أيلول ١٩٨٢ وأواخر عام ١٩٨٥، ٣٨٦ قتيلاً من اصل ٦٥٧ قتيلاً حتى ٢٤ أيار عام ٢٠٠٠. أما جرحى الجيش الإسرائيلي في تلك الفترة فقد بلغت ٢٣٢٦ من أصل ٢٩٦٦ حتى يوم التحرير.
استمر عمل الحزب الشيوعي اللبناني في مجال المقاومة العسكرية ضد قوات الإحتلال الإسرائيلي حتى العام ١٩٩٣حيث كانت آخر عملية نفذها واستشهد فيها زيد العبد الله في ١٩٩٣/١٠/١.
وأصبح معروفا للقاصي والداني أن توقّف الحزب الشيوعي عن نشاطه المقاوم بعد تلك الفترة لم يكن بمحض إرادته بل كان نتيجة لجملة عوامل أهمها المضايقات التي تعرض لها مناضلو الحزب على إمتداد القطاع الغربي في الجنوب المحرّر تنفيذاً لأوامر القيادة السورية بعد عودة قواتها إلى لبنان في العام ١٩٨٧ ونتيجة رفض قيادة الحزب الشيوعي آنذاك الإنصياع لطلبات القيادة السورية بوضع عمليات جبهة المقاومة بتصرفها ولخدمة وتنفيذ سياستها.
وعلى خلفية ذلك تم تهجير وإبعاد وإعتقال وتعذيب العشرات من المقاومين الشيوعيين واغتيال قادة ومفكرين وكتّاباً ومثقفين وكوادراً ومقاومين شيوعيين في الجنوب وبيروت والبقاع وفي غير مكان على أيدي عملاء لهذا النظام وكان بينهم من اغتيل أثر عودته من تنفيذ عملية في منطقة الشريط الحدودي ضد قوات الإحتلال وعملائه أو أثناء توجهه للقيام بعملية.
وعلى الرغم من كل المضايقات التي واجهها مقاومو الحزب الشيوعي فقد نفذوا من أيلول ١٩٨٢ إلى تشرين الأول ١٩٩٣ أكثر من ١١١٣ عملية حقيقية وليس عمليات إطلاق صواريخ ورصاص عند خطوط التماس أو عمليات وهمية أو عمليات إعلامية أو تحريك سياسي. و توزعت تلك العمليات على الشكل التالي :
– ٩٠٧ عمليات ضد قوات الإحتلال الاسرائيلية.
– ٢٠٦ عمليات ضد العملاء في جيش لبنان الجنوبي.
قدّم الحزب الشيوعي اللبناني خلال تلك الفترة ١٨٧ شهيداً و١٢٠٠ جريحاً ومعوقاً من بين ٧٠٠٠ شيوعي عملوا في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمّول” و٣٠٠٠ مقاوم ومناضل ومناصر شيوعي زُجّ بهم في معتقلات أنصار وعتليت ومراكز المخابرات المختلفة والسجون والمعتقلات الاسرائيلية.
لقد حاول الحزب الشيوعي العودة إلى ممارسة نشاطه في المقاومة بناء لقرار من مؤتمره الثامن، ولكن الظروف التي أعاقت عمله في السابق فَرَضَت نفسها عليه مجدداً، وعلى الرغم من ذلك نفّذ الحزب عدة عمليات ضد قوات الإحتلال خلال عامي ١٩٩٨-١٩٩٩ استشهد له فيها: نبيل بيار أبو جودة وسامي جرجي.
كل تلك الإنجازات أصبحت في رصيد المقاومة الإسلامية بعدما جرى تطييف ومذهبة المقاومة وحصرها بجهة واحدة للإمساك بالقرار السياسي والهيمنة على الأرض ولأسباب أصبحت معروفة وباتت واضحة للقريب والبعيد بأبعادها اللبنانية وبأهدافها وارتهاناتها الإقليمية.
لقد ذهبت القوى النافذة بمشاركة قيادة المقاومة الإسلامية في مشروع احتوائها لإنجازات وتضحيات جبهة المقاومة الوطنية إلى حد منع قيادة الحزب الشيوعي اللبناني من المشاركة في استقبال جثامين شهدائه وعميد الأسرى المحررين المناضل أنور ياسين في مطار بيروت الدولي.
هذه حقائق برسم الرأي العام، ولكل من لا يعرف ولكل من ينسى أو يتناسى أو يحاول تزوير حقائق التاريخ.
المجد والخلود لشهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمّول” ولكل الشهداء لأي جهة انتموا وسقطوا دفاعا عن حرية وسيادة ووحدة واستقلال لبنان. وألف تحية للأسرى المحرّرين، كل الأسرى، والشفاء للجرحى وكل التمنيات الطيبة باستعادة عافيتهم، وللمعوقين ولذوي الشهداء كل الحب.

شارك هذا الموضوع