تغيّر الزمن
أحيانًا تمرّ سنوات كاملة ولا يتغيّر شيء،
ثم تأتي لحظة يتغيّر فيها كل شيء.
في حالتنا الراهنة، كانت لحظة السابع من أكتوبر/تشرين الأول من عام 2023 لحظة فاصلة، امتدّت تداعياتها على مدى ثلاث سنوات، ولم تنتهِ بعد، وأدّت إلى زلازل تعدت الشرق الأوسط.
ومن لم يدرك ذلك، أو من لا يريد أن يصدّق ذلك،
فعليه أن يُمعن النظر في ذاك المشهد …
صعود قادة العدو إلى أعلى قمة في الشرق الأوسط، وصعودنا نحن إلى الهاوية.
تلك مفارقة قاسية، وتستدعي أن نتبصّر فيما ستؤول إليه أحوال البلاد، بعيدًا عن الخطب الرنّانة والشعارات الجوفاء.
نعم، تغيّر الزمن، ولكلّ زمان لغته وسرديّته ومفرداته.
وطرق المواجهة.
اولئك الذين يعتقدون أنهم يستطيعون وقف الزمن،
جلّ ما يستطيعونه هو أن يزيدوا حجم الرماد.
ليس في المدى البصري والعقلي ما يشير إلى أننا سننجو من الكارثة كما نجونا في المرّات السابقة.
«يستحيل أن تسبح في مياه النهر مرتين»،
ليس لأن المياه لم تعد هي ذاتها فحسب، بل لأنك أنت أيضًا لم تعد أنت.
كم مرّة شهدنا تغيّر الزمن في عمرٍ سريع؟
شهدنا صعود المدّ القومي العربي وأفوله،
وشهدنا صعود اليسار وأفوله،
وشهدنا صعود الإسلام السياسي بشقّيه السنّي والشيعي، ونشهد اليوم سقوطه المدوي.
ثلاثة أزمنة مرّت، ولم تتغيّر طريقة التفكير ولا آليات العمل.
ومن حرب إلى حرب إلى حرب.
يتمادى العدو في توحّشه، وفي الخراب الذي أحدثه في البشر والحجر والشجر،
ألا يستحقّ كلّ ذلك أن نسأل: إلى أين تأخذنا هذه الحرب؟
قيل للناس بأنّ العدو أوهن من بيت العنكبوت، فصدّقوا، وبنوا بيوتهم على خطّ الحدود.
وقيل لهم: سنصلّي في القدس، فهيّأوا سجاجيد الصلاة وتربة الحسين.
وقيل لهم: استعدّوا لتحرير الجليل. ففرحوا وهلّلوا وتأهّبوا.
ثم حدث ما حدث في حرب الإسناد الأولى.
وقيل لهم: صدّقوا ما ترون، ولا تصدّقوا ما تسمعون.
فرأوا وأبصروا وشاهدوا ما لم يشهدوا مثله من قبل.
ثم جاءت حرب الإسناد الثانية.
فقيل: لن يطأ العدو حبّةً من تراب الجنوب.
“ولاقونا في الميدان”.
سقطت الخيام، وبنت جبيل، وقلعة الشقيف، وصولًا إلى علي الطاهر.
وما زال العدو يستبيح جنوب النهر وشمال النهر
وما بعد بعد، متى يشاء،
ويرسم لنا خطوطًا زرقاء وصفراء ورمادية.
وبتصريح من أفيخاي أو خليفته الواوية، يُلقى بنا في جوف الليل على الطرقات أو أرصفة المدن.
هل هنالك ذلّ أكثر من هذا الذل؟
وبعد ذلك، يُتلى علينا:
أن الأسئلة حرام،
والدمعة حرام،
ومراثي البيوت حرام،
كأنما يُراد لنا أن نحتفل فقط بمجد الرماد.
في حمأة المعركة، يتعلّق الناس بـ«حبال الهوى»،
ويسهل التلاعب بمشاعرهم ومصائرهم،
وتتلى على مسامعهم آيات الغيب،
فلا يميزون بين الحقيقة والوهم، بين الموت والحياة
نحن أهل الجنوب خصوصًا، واللبنانيون عامة، من تبقّى منا على هذه الأرض،
نعم، نعيش بين الحياة والموت.
شيء يشبه «قطة شرودنجر»، تلك التجربة الفكرية في ميكانيكا الكم التي افترض فيها شرودنجر قطةً داخل صندوق، بحيث تصبح، وفق شروط التجربة، حيّة وميتة في الوقت ذاته.
لكننا لسنا قطةً في صندوق، وحياتنا ليست عبث رهانات الخارج، تخضع لمسارات واحتمالات واختبارات.
لا يمكن أن يكون الخراب عمرانًا لأن أحدًا قرّر تسميته كذلك،
ولا أن تكون الهزيمة انتصارًا لأن أحدًا في عتمة السرداب يرى ذلك.
لا يمكن إلغاء الحقيقة بشعارات أو روايات زائفة.
والحقيقة التي يجب أن نتمسّك بها هي أن لبنان، المجتمع المفتوح على التعدّد والتنوّع والعيش المشترك، هو نقيض العدو، المجتمع المغلق الذي يقيم الجدران بين مكوّناته الداخلية والخارج في آن واحد.
آن الأوان لنستخلص دروس الحروب،
وأن نفكّر بطريقة مختلفة،
وأن نبني على نقاط القوّة الحقيقية التي تؤمّن لنا الانطلاق نحو مسار جديد ينقذ ما تبقّى، ويفتح نافذة للخروج من هذه الكارثة.
ولا يكون ذلك إلا برؤية واضحة، مرجعيّتها الإيمان بلبنان الدولة، والدستور، ووثيقة الوفاق الوطني،
وصيغة العيش المشترك؛
«احتياط لبنان الذهبي الحقيقي».
وطريقة عيش اللبنانيين،
ومعنى «الآخر».
والمؤسف ما رأيناه اليوم في مجلس النواب، عندما انبرى أحد نواب الأمة يقذف زميله بقوله: «أنت الآخر»، كأن الآخر مرذول أو منتقص الأهلية.
فيما يبدع سيدنا هاني فحص، الذي يمرّ على غيابه اثنا عشر عامًا، والحاضر دومًا معنا ، حين يقول:
«أنا في لحظة من اللحظات أكون آخر بالنسبة إلى نفسي».
«عندما أحاور الآخر لا أريد أن أعيد إنتاجه على معاييري، لا أريد إنتاجه مثلي، أريد أن أحافظ على التعددية وأعزّز نصاب الوحدة داخل المتعدد».
لا يوجد ابلغ واجمل واكمل من هذا التوصيف
ولا توجد وصفة سحرية تأتي من خارجٍ، أو غيب للخروج بلبنان من الاحتلال والهيمنة والفساد والأصوليات القاتلة، إلى لبنان الانفتاح والتعدّد والتنوّع والحداثة.
غير استثمار كنزه الأغلى والأثمن من كل الطاقات:
وحدته الوطنية وخبرة ناسه وأهله ونُخَبه في الوطن والاغتراب.
حسن بزيع
فيسبوك
16.09.2026
