الإبادة الجماعية في غزة: حين يُدفن القانون الدولي تحت أنقاض الكيل بمكيالين

لم تعد الحرب على قطاع غزة مجرد فصل إضافي في مأساة شرق أوسطية ممتدة، بل تحولت إلى مقصلة فكرية وأخلاقية تهوي بكل قوتها على رأس النظام الدولي برمته. إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد عجز في كبح آلة الحرب الإسرائيلية، بل هو سقوط مدوٍّ وعلنيّ لـ “أسطورة” حقوق الإنسان التي طالما تبجّحت بها العواصم الغربية. إن السكوت والتواطؤ تجاه التهجير والإبادة القائمة في غزة يكتبان رسمياً نهاية الحقبة التي يُحكم فيها العالم بمبادئ الشرعية الدولية، ليدشن بدلاً منها عصر “قانون الغاب المغلف بالمصطلحات الدبلوماسية”.

أولاً: التأصيل القانوني للجرائم: من التهجير إلى الإبادة

تتجاوز الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة كل الأطر والتصنيفات الدستورية والقانونية الحاكمة للنزاعات المسلحة، لتصطدم بوقاحة مع أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي:

1 – التهجير القسري والتطهير العرقي:

المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949): تحظر حظراً مطلقاً النقل القسري الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين، أو نقلهم من أراضيهم المحتلة إلى أرض أخرى، أيّاً كانت الدواعي.
المادة 8(2)(ب)(viii) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: تُصرّح بأن قيام سلطة الاحتلال بنقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو نقل سكان الأرض المحتلة داخلها أو خارجها، يُعدّ جريمة حرب مكتملة الأركان.

2 – التجويع وحظر الأعيان المدنية:

المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول (1977): تحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، وتمنع مهاجمة أو تدمير أو نقل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين (مثل المواد الغذائية والمناطق الزراعية ومرافق مياه الشرب).
المادة 8(2)(ب)(xxv) من نظام روما الأساسي: تُعرّف تعمد تجويع المدنيين عن طريق حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة إمدادات الإغاثة، بأنه جريمة حرب.

3 – جرم الإبادة الجماعية (Genocide):

المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948) والمادة 6 من نظام روما: تُعرّف الإبادة بأنها أي أفعال تُرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لمجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بما في ذلك:
(أ) قتل أعضاء من المجموعة.
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من المجموعة.
(ج) إخضاع المجموعة عمداً لظروف معيشية يُراد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.
وهو ما دعت محكمة العدل الدولية (ICJ) لفرض تدابير احترازية ملزمة بخصوصه لمنع وقوع أفعال تندرج تحت هذه المادة بناءً على الدعوى المرفوعة من جنوب أفريقيا.

ثانياً: النفاق الغربي وتهافت الأقنعة

تتجلى أزمة هذا العصر في الانفصام الأخلاقي الصارخ الذي تمارسه واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون:

المعيارية المزدوجة كعقيدة: تتفجر المبادئ الغربية بالحمية والعدالة والسرعة الناجزة عندما تقتضي المصالح الجيوسياسية ذلك في نزاعات أخرى، بينما تتحول نفس هذه المبادئ إلى مجرد “مطالبات جوفاء بضبط النفس” عندما يتعلق الأمر بالدم الفلسطيني.
إجهاض آليات الانقاذ والقانون: لم يعد الحلفاء الغربيون مكتفين بالتفرج، بل تحولوا إلى شرفاء في التغطية القانونية عبر استخدام حق النقض (الفيتو) بموجب المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة لإجهاض قرارات مجلس الأمن الملزمة بوقف العدوان بموجب الفصل السابع، بالتوازي مع استمرار ضخ شحنات السلاح.
ابتذال الكارثة: إن اختزال حرب إبادة كاملة في مجرد جدل عقيم حول “عدد شاحنات المساعدات المسموح بدخولها” هو في واقع الأمر اختزال للإنسان الفلسطيني إلى مجرد كائن ينتظر الإغاثة بدلاً من كونه صاحب حق في الحياة والحرية وفق المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ثالثاً: موت الأمم المتحدة وفقدان الشرعية الأخلاقية

إن شلل مجلس الأمن الدولي وتحوله إلى مسرح للمساومات السياسية يعلنان رسمياً موت المنظومة الناتجة عن الحرب العالمية الثانية.

إن سقوط القوة الردعية للمؤسسات الأممية وتجاهل المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة (التي تتعهد بموجبها الدول الأعضاء بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيدها) لا يهدد غزة وحدها، بل يوجه ضربة قاضية لمفهوم العدالة الدولية ككل. لقد أدرك “الجنوب العالمي” ومعه كل الأحرار حول العالم أن المؤسسات الدولية لم تُصمم أبداً لحماية المستضعفين، بل وُجدت لتكريس هيمنة الأقوياء.

إن حقيقة ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة حقوقية تُحل ببيانات التنديد والمطالبات الإعلامية، بل هو امتحان حقيقي ونهائي لضمير البشرية. إن الصمت وتوفير الغطاء السياسـي لجرائم الإبادة لا يعني فقط تدمير القطاع وأهله، بل يعني أيضاً إحراق كل المواثيق والمعاهدات الدولية التي صاغتها الإنسانية بدماء ملايين الضحايا على مر التاريخ. وإذا لم تفق القوى الدولية من صلفها وتتخذ خطوات زاجرة ومحاسبة حقيقية، فإن مفهوم “العدالة” سيبقى مجرد أفهومة مضحكة في كتب التاريخ.

 

شارك هذا الموضوع